فخر الدين الرازي

759

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

شامل لكل المعاصي ، واعلم أن كل من عبد غير اللّه فقد اجتمع في حقه هذان الوصفان ، لأنه لما عبد غيره ، فقد عصاه وجحد إنعامه ، إذا عرفت هذا فنقول في الآية قولان : الأول : أن المراد شخص معين ، ثم منهم من قال : الآثم ، والكفور هو شخص واحد وهو أبو جهل ، ومنهم من قال : الآثم هو الوليد والكفور هو عتبة ، قال القفال : ويدل عليه أنه تعالى سمى الوليد أثيما في قوله : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ إلى قوله : مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [ القلم : 10 - 12 ] وروى صاحب الكشاف أن الآثم هو عتبة والكفور هو الوليد لأن عتبة كان ركابا للمآثم متعاطيا لأنواع الفسوق والوليد كان غاليا في الكفر ، والقول الأول أولى لأنه متأيد بالقرآن ، يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولدا وقال الوليد : أنا أعطيك من المال حتى ترضى ، فإني من أكثرهم مالا ، فقرأ عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشر آيات من أول حم السجدة إلى قوله فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 1 - 13 ] فانصرفا عنه وقال أحدهما ظننت أن الكعبة ستقع على . القول الثاني : أن الآثم والكفور مطلقان غير مختصين بشخص معين ، وهذا هو الأقرب إلى الظاهر ، ثم قال الحسن الآثم هو المنافق والكفور مشركو العرب ، وهذا ضعيف بل الحق ما ذكرناه من أن الآثم عام والكفور خاص . السؤال الرابع : كانوا كلهم كفرة ، فما معنى القسمة في قوله : آثِماً أَوْ كَفُوراً ؟ الجواب : الكفور أخبث أنواع الآثم ، فخصه بالذكر تنبيها على غاية خبثة ونهاية بعده عن اللّه . السؤال الخامس : كلمة أو تقتضي النهي عن طاعة أحدهما فلم لم يذكر الواو حتى يكون نهيا عن طاعتهما جميعا ؟ الجواب : ذكروا فيه وجهين : الأول : وهو الذي ذكره الزجاج واختاره أكثر المحققين أنه لو قيل : ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما لأن النهي عن طاعة مجموع شخصين لا يقتضي النهي عن طاعة كل واحد منهما وحده ، أما النهي عن طاعة أحدهما فيكون نهيا عن طاعة مجموعهما لأن الواحد داخل في المجموع ، ولقائل أن يقول : هذا ضعيف ، لأن قوله : لا تطع هذا وهذا معناه كن مخالفا لأحدهما ، ولا يلزم من إيجاب مخالفة أحدهما إيجاب مخالفتهما معا ، فإنه لا يبعد أن يقول السيد لعبده : إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه ، أما إذا توافقا فلا تخالفهما . والثاني : قال الفراء : تقدير الآية لا تطع منهم أحدا سواء كان آثما أو كفورا كقول الرجل لمن يسأله شيئا : لا أعطيك سواء سألت أو سكت . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا النهي عقبه بالأمر ، فقال : [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 25 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ( 26 ) وفي هذه الآية قولان : الأول : أن المراد هو الصلاة قالوا : لأن التقييد بالبكرة والأصيل يدل على أن المراد من قوله : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ الصلوات . ثم قالوا : البكرة هي صلاة الصبح والأصيل صلاة الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ المغرب والعشاء ، فتكون هذه الكلمات جامعة الصلوات الخمس وقوله : وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا المراد منه التهجد ، ثم اختلفوا فيه فقال بعضهم : كان ذلك من الواجبات على الرسول عليه السلام ، ثم نسخ كما ذكرنا في